عام 2025 والتحولات الكبرى من غزة إلى الذكاء الاصطناعي

عام 2025 والتحولات الكبرى من غزة إلى الذكاء الاصطناعي

 

 

نستراك - لم يكن عام 2025 سنةً عادية في في المسرح الدولي، بل كان أقرب إلى مختبرٍ مفتوح تجاورت فيه الحروب الساخنة مع معارك ضجيجها أقل، وأثرها كبير؛ حرب الممرات البحرية، وحرب العقوبات، وحرب الذكاء الاصطناعي على القوانين والمؤسسات، وحرب الطاقة على الأسعار والتوازنات. وفي قلب هذا كله، بقي الشرق الأوسط كعادته، ساحةً تقاطع حسابات القوى الكبرى التي تُقاس عليها قدرة النظام الدولي على فرض التهدئة أو إدارة الانفجار.

ومع أن الأخبار العالمية تزاحمت من آسيا إلى أوروبا وأميركا اللاتينية، فإن معظم ملفات عام 2025، كانت مربوطة بطريقة ما بخيط واحد ظلّ حاضرًا في كلُّ حدثٍ، أو في أثر منه إلى العالم اقتصادًا وأسواقًا وأمنًا وابتكارًا.

 

غزة… اتفاق وتجربة قاسية مستمرة

دخلت غزة عام 2025 على إيقاع هدنةٍ منتظرة بعد أشهرٍ طويلة من القتال والضغط الدولي. وفي منتصف كانون الثاني/ يناير 2025 برزت صيغة اتفاق وقف إطلاق نار مرحلي، وتم تقديمه على أنه وصفه نافذةً لخفض التصعيد وتوسيع المساعدات وترتيبات تبادل الأسرى والرهائن، مع دورٍ واضح للوساطة الإقليمية.

لكن الهدنة، وكما يحدث كثيرًا في نزاعاتٍ تُدار فوق أعصابٍ مكشوفة، لم تكن قرارًا نهائيًا بقدر ما كانت اختبارًا لصمود السياسة أمام الميدان، وتحوّل الاتفاق إلى معيارٍ عالمي لقياس قدرة المجتمع الدولي على فرض قواعد الحدّ الأدنى من حماية المدنيين، وضمان المساعدات، ومنع الانزلاق إلى دورةٍ جديدة من العنف. المفارقة أن 2025 لم يقدّم حلًا تاريخيًا، بل كشف حقيقة أكثر قسوة، وهي أن الحرب لم تنته وهي تنتظر أشكالاً أخرى من مساراتها.، يبقى السؤال: هل توقفت الحرب فعلًا؟ أم تغيّر شكلها فقط؟

 

لبنان: سلاح متفلّت ومجهول المصير

لبنان كان في عام 2025 ساحة الأثر الجانبي الذي يهدد بأن يصبح أصلًا. إذ عاد ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى صدارة النقاش الداخلي والإقليمي، بوصفه عقدة السيادة والاستقرار وحدود الانزلاق إلى مواجهة أوسع. ومع نهاية العام، تصاعدت الأسئلة السياسية حول مستقبل هذا الملف، وما إذا كانت الضغوط ستُفضي إلى ترتيبات داخلية ودولية، أو إلى توازن رعبٍ جديد غير معروف حقيقته، ويُدار بالرسائل والتهديدات المتواصلة.

وتنبع أهمية الحدث في لبنان، ليس من حجمه، بل من موقعه كخط تماس مع إسرائيل، وأي اهتزاز هناك قد لا يبقى لبنانيًا. وأي حسابات خاطئة ستؤدي سريعًا إلى إرباك إقليمي يشمل أمن الحدود، وحركة التجارة، والاستثمارات، وحتى الحركة الدبلوماسية في عواصم القرار.

 

سوريا الجديدة

 العقوبات على سوريا والتي بدت لسنوات وكأنها قدر ثابت، بدأت تتفكك سياسيًا. ففي أيار/ مايو 2025 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع العقوبات عن سوريا، في خطوةٍ شكّلت انتقالًا من منطق العزل إلى منطق إعادة التموضع، وانطلاقة سوريا نحو الانغماس أكثر في المجتمع الدولي، حيث اتخذ مجلس الأمن قرارًا برفع العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير داخليته، وامتناع الصين عن التصويت لم يكن إلا مجرد ديكور تزييني وأن التوافق لا يكون عادة بالمطلق.  

هذه التطورات لم تكن تفصيلًا في نشرة الأخبار؛ بل كانت إشارات إلى تغيير قواعد اللعبة، وهذا يعني فتح باب إعادة الإعمار والاستثمار، وإعادة إدخال سوريا في معادلات الاقتصاد الإقليمي، وأن سوريا في عام 2025 أصبحت على عتبة مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف الدولة والاقتصاد والشرعية، وكذلك الحدود والتحالفات.

 

البحر الأحمر والشحن العالمي

في 2025 لم تكن الحرب فقط على اليابسة، بل تحوّل شريانٌ التجارة الدولية، البحر الأحمر إلى عنوانٍ اقتصادي وسياسي عالمي، حيث عادت هجمات الحوثيين على سفن الشحن إلى الواجهة بعد فترة هدوء، وتسجيل غرق سفن وتوترات بحرية أجبرت شركات على حساب المسارات والتأمين والزمن والكلفة من جديد. وكالة رويترز تحدثت عن هجومٍ على سفينة "اترنيتي سي" هو الأول من نوعه في 2025 بعد أشهر من الهدوء، وارتبط بتصاعد المخاطر على خطوط النقل، وهذا أعاد التأكيد أن الحادث البحري صار جزءًا من معادلة ردع وضغط.

هيومن رايتس ووتش اعتبرت من الناحية القانونية، أن الهجمات في تلك الفترة قد ترقى إلى مستوى انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب.

الهجمات في البحر الأحمر، شغلت العالم لأن ذلك سيرفع الفاتورة الاقتصادية، وسيؤثر على تأخير الشحنات واضطراب سلاسل الإمداد، وكذلك ارتفاع التأمين، وضمناً يعني ارتفاع الأسعار.

وفي البحث عن حلول مؤقتة آنذاك، كان تغيير المسارات يعني وقتًا أطول لوصول السلع، وعبئًا أكبر على الموانئ، وتضخمًا محتملًا في قطاعات حساسة.

 

إيران والملف النووي والقلق الدولي يتجدد

في 2025 ظلّ الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات حساسية. مجلس الأمن استمر في مناقشة المسارات السياسية الممكنة وسط تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإشارات إلى تعثرات مستمرة في الإطار التفاوضي.  

أهمية هذا الملف لا تنحصر في إيران وحدها؛ بل في أثره على أمن الخليج وأسواق الطاقة، والتوازنات بين إسرائيل وإيران وحلفائهما.، وحسابات العقوبات والالتفاف عليها، وما تخلقه من اقتصادٍ موازٍ يغيّر قواعد التجارة.

 

الاقتصاد العالمي، تعديل ولا تغيير للمسار

الاقتصاد في 2025 كان يعيش بين ضغطين، أولهما إرث تضخم عالمي وسلاسل إمداد مضطربة. وثانيهما تحولات جيوسياسية تُعيد تعريف التجارة وتوازنات الطاقة.

صندوق النقد الدولي وصف 2025 بأنه عام اتسم بالسيولة والتقلب، وأن أخبار التجارة وإعادة ترتيب الأولويات في السياسات كانت في قلب المزاج الاقتصادي العالمي

أما في ملف الطاقة تحديدًا،وهو ملف يرتبط بالشرق الأوسط مباشرة، فقد تابع العالم بدقة اتجاهات الطلب والإمدادات. الوكالة الدولية للطاقة أشارت في تقريرها إلى نمو الطلب العالمي على النفط خلال 2025، مع تحولات داخل مكونات الطلب (مثل وقود الطائرات والديزل) وتغيرات في مزيج الطاقة.

أهمية الشرق الأوسط ظهرت واضحة في الموضوع الاقتصادي؛ إنه ليس فقط مصدرًا للطاقة، بل مؤثرًا في المزاج الاستثماري العالمي، وكل اضطراب سياسي أو أمني كبير فيه يُترجم مباشرة إلى إعادة تسعير المخاطر في الأسواق.

 

الذكاء الاصطناعي والقانون والثورة التقنية

كان عام 2025 عام لحاق القانون بالذكاء الاصطناعي، ورأينا  الاتحاد الأوروبي يعمل على تنفيذ أشياءً مهمة ضمن "قانون الذكاء الاصطناعي"، ومنها بدء تطبيق التزامات مرتبطة بممارسات محظورة، وبثقافة المعرفة بالذكاء الاصطناعي.

كما ظهر في عام 2025، اشارات توجيه نماذج الذكاء الاصطناعي ذات المخاطر النظامية حيث أنها ليست مسألة تقنية، بل قانونية، باعتبار من يضع القواعد يملك جزءًا من السوق، ومن يضبط المخاطر يضبط ثقة المستهلكين والمؤسسات، والأهم من كل ذلك، من يتأخر في التشريع يدفع ثمن الفوضى، وتنتشر أدوات التضليل، وانتهاك الخصوصية، والانحياز،  ونزاعات حقوق الملكية الفكرية.

 

الطب والعلوم والابتكار ليس ترفًا

وسط الضجيج السياسي، جاء موسم الجوائز العلمية ليذكّر العالم أن الطب والبحث العلمي يصنعان قوة ناعمة من نوع آخر. في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 مُنحت جائزة نوبل في الطب لثلاثة علماء تقديرًا لاكتشافات تتعلق بالتحمل المناعي الطرفي، وما فتحته من آفاق لفهم أمراض المناعة الذاتية والسرطان.

هذا النوع من الإنجازات لا يعيش في المختبر فقط، بل أثره عالمي في سياسات التمويل والدواء والتأمين الصحي، وله دور جذاب في منافسة الدول على استقطاب العقول، وإعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل الأمن الصحي.

 

عام مفصلي

أثبت بالوقائع أن عام 2025، كان مفصلياً، وأن العالم لم يعد يفصل بين السياسة والاقتصاد، وبدا الشرق الأوسط، مرة أخرى، أنه ليس هامشياً كما يظن البعض، بل كان مركزًا ينعكس منه الضوء والظل على بقية العالم.